samedi 14 juin 2008

حياة الأمير عبد القادر (2)

أفكار من كتاب "حياة الأمير عبد القادر" – تأليف: "هنري تشرشل" – ترجمة: "الدكتور أبو القاسم سعد الله".

الفصل الأول (1807 - 1828)

* هو عبد القادر ناصر الدين ابن محي الدين، ولد سنة 1807 للميلاد في منطقة "إغريس" التابعة آنذاك لإقليم "وهران" في الغرب الجزائري.

* تعلم الكتابة في سن الخامسة، كما تمكن من القرآن والحديث وأصول الشريعة وهو في سن الثانية عشرة.
تطور بسرعة وأصبح قوي البنية، فاتجه إلى تعلم الفروسية، فأبدى شجاعة فاقت أقرانه، لكن في الوقت ذاته كان كساؤه البسيط دالاً على تواضعه.

*ينقسم النبلاء في الجزائر – في تلك الحقبة – إلى مرابطين (وهم الذين اكتسبوا مكانتهم من الدين) والأجواد (وهؤلاء اكتسبوا مكانتهم من السيف)، حيث كانت الغيرة والإزدراء هما المسيطران على الفريقين، ففي الوقت الذي كان فيه الأجواد يتهمون المرابطين باستغلالهم الدين للجري وراء المال والثروة، كان هؤلاء يتهمون الأجواد بالعنف والتهور والنهب.

* وقد اشتهر نبلاء الأجواد بحبهم للصيد من أجل المتعة والمهارة والشجاعة، إلا أن "الشاب عبد القادر" – في خضم كل ذلك – لم يفكر في الإغارة، بل كان يرفض هذا النوع من الحرب، لكونه يخالف مبادئه وميولاته، "لكنه مارس رياضة الصيد برغبة شديدة، حيث كان "الخنزير البري" هو صيده المفضل".

* أما والده "محي الدين"، فقد أولاه عناية خاصة، رغم أنه رابع أبنائه، لدرجة أنه عندما أصبح "عبد القادر" شاباً يافعاً، جعل له والده خادماً يتبعه كظله، لا يدعه لشهواته التي تفسد أخلاقه. إلا أن الشاب لم يدم على تلك الحال حتى تزوج من ابنة عمه "لالا ّ خيرة" وهو في الخامسة عشرة من عمره.

* في سنة 1823، حينما أراد الوالد "محي الدين" مغادرة قريته "قرية القيطنة" لآداء مناسك الحج، انهالت على الشيخ العديد من التوسلات من أبنائه وحاشيته قصد السماح لهم بمرافقته إلى الأراضي المقدسة.
في البداية قرر الشيخ – الذي كان محرجاً من التوسلات – أن يسافر وحده، ثم عاد واختار "عبد القادر" لمرافقته في آداء مناسك الحج.
وما إن انتشر الخبر حتى تجمهر الآلاف وقد أقيمت المآدب وأعدت البغال وأحضرت الخيام، ذلك أن الشيخ "محي الدين كان "مرابطهم وقائدهم".

* في تلك الليلة حضر "فارس تركي" يخبر الشيخ "محي الدين" أن "الباي حسن" (باي وهران) يريد لقاءه في مقر الحكومة. ومع بزوغ الفجر، كان الشيخ "محي الدين" وابنه "عبد القادر" قد حزما أمتعتهما للعودة إلى إقليم "وهران" على الرغم من فزع وخوف الأهالي.

*استقبل "الباي" ضيفاه استقالاً ودياً، وأعرب لهما عن خشيته من أن يقعا بين يدي "الداي حسين" (داي الجزائر) [الجزائر العاصمة حالياً] نظراً للسمعة التي يحظى بها الشيخ "محي الدين" في العديد من المناطق. فما كان من "الباي" إلا أن منعهما من الحج بسبب تلك المبررات. والواضح أن الغيرة – جراء السمعة التي يحظى بها الشيخ محي الدين بين أهالي العديد من مناطق البلاد – التي نسبها "الباي" لـ "داي الجزائر" كان هو مصاباً بها، بدليل أنه وضع للشيخ وابنه حرساً تركياً يراقبهما. وقد استمر الوضع على ذلك الحال طيلة سنتين، إلى أن عرف "باي وهران" حجم الحماقة التي ارتكبها، فأذن لهما بمواصلة طريقهما للحج.

* غادر الشيخ "محي الدين" وابنه الجزائر، حيث وصلا إلى تونس سنة 1825م، ومن هناك استقلا باخرة كانت متوجهة إلى الإسكندرية، التي رأى فيها الشاب "عبد القادر" لأول ولآخر مرة "محمد على باشا" والي مصر آنذاك.

* ثم واصلا طريقهما إلى مكة، فأديا شعائر الحج. بعد ذلك اتجها إلى العراق لزيارة ضريح الولي "عبد القادر الجيلاني" أين استقبلهما الأهالي استقبالاً حاراً وعلى رأسهم "القاضي محمد زكريا" أحد أحفاد الولي الصالح.

* بعد ثلاثة أشهر، عاد الأب وابنه إلى مكة وقد نفذت ذخيرتهما من المال، واعتمدا في بقية الرحلة على مرافقيهم من الحجاج العائدين إلى الجزائر، حيث دخلا البلاد عبر الطريق البري مطلع العام 1828م بعد غياب دام سنتين.

* بعد فترة دخل "عبد القادر" فيما يشبه "عزلة دينية" فانكب على دراسة الدين والفلسفة والتاريخ والجغرافيا واللغة ... حيث كان لا ينقطع عن عزلته إلا للأكل أو لآداء الصلوات المفروضة. كما أنه – في تلك الفترة – لم تظهر أمامه أية رؤى لعظمة إنسانية ولم تخالج صدره أية مطامح دنيوية.

لماذا حياة الأمير عبد القادر ؟؟ (1)

أفكار من كتاب "حياة الأمير عبد القادر" – تأليف: "هنري تشرشل" – ترجمة: "الدكتور أبو القاسم سعد الله".

لماذا "حياة الأمير عبد القادر" ..؟

قد تسألني: لماذا اخترت "حياة الأمير عبد القادر" ؟؟ هذه الشخصية التي عاشت في القرن الـ 19، في ظروف وأواضاع مخلتفة تمامًا عن تلك التي نعيشها هذه الأيام، وأنت الشاب الذي يعييش في القرن الـ 21، عصر ما يعرف "اقتصاد المعرفة" و"ما بعد الحداثة" وعصر الإنترنت و"المدونات" ؟؟
بداية أقول: لكوني جزائرياً .. وجدت أنه من الضروري أن أقرأ وأن أكتب عن شخصية مثل شخصية "الأمير عبد القادر"، التي لا تزال مجهولة عند أهلها الجزائريين .. شخصية رغم أنها خرجت من بيئة بدوية طرقية محافظة إلا أنها تعاملت مع العالم بانفتاح كبير ، بدون أية عقدة، بل زادها ذلك اصراراً على التمسك بقيمها ومبادئها ...
* المعلومات التي استقيتها هي من كتاب "حياة الأمير عبد القادر"، تأليف "هنري تشرشل" أحد كبار الساسة البريطانيين المعاصرين للأمير، وأحد أجداد "السير ونستون تشرشل" الزعيم البريطاني المعروف. قام بترجمة الكتاب "الدكتور أبو القاسم سعد الله" المعروف بـ "شيخ المؤرخين الجزائريين".
* و "هنري تشرشل" قضى فترة في المشرق العربي، والمعروف تاريخياً أنه قام بدور شيبه بدور "لورانس العرب"، لذلك حاول - كما يلمح لذلك مترجم الكتاب – من خلال كتابه حول "الأمير عبد القادر" أن يوجهه وجهة تخدم مصالح بريطانيا … مثال ذلك أنه في الوقت الذي يذكر فيه بطولات "الأمير" وطريقة معالجته للفتنة التي نشبت في دمشق سنة 1860 بين المسيحيين والمسلمين، نجده – في الوقت ذاته – يبرز "العثمانيين" في أسوأ صورهم بما يخدم سياسة بريطانيا التمهيدية في تلك الفترة، لتأليب العرب - والعالم – على الدولة العثمانية، تمهيداً للإنقضاض على تركة الرجل المريض …
* لكن تبرز أهمية هذا الكتاب من عدة جوانب، حيث يقول المترجم الدكتور في هذا الصدد :
" … ولكن ترجمة تشرشل للأمير تختلف عما سبق ذكره، فهي تجمع إلى الحوادث السياسية والعسكرية، عنصراً هاماً في حياة الأمير وهي الروح الدينية والمواقف الإنسانية والإجتماعية.
وهي ثانية تهتم بالبحث لذاته. حقــًا تشرشل – كما سنرى – لم يكن بعيداً عن القضايا السياسية المعاصرة ولكن عمله على كل حال جاء جامعاً لعدة جوانب إيجابية تفتقر إليها الأعمال الأخرى ...".
والمحصلة أن اختيار "الدكتور أبو القاسم سعد الله" ترجمة هذا الكتاب يمكن إجماله في عدة نقاط أهمها:
- ندرة الكتب التي درست حياة "الأمير عبد القادر" دراسة موضوعية، فالمترجم - بالرغم من ملاحظاته حول الدور السياسي الذي لعبه المؤلف في تلك الفترة – إلى أنه أقر بالطابع العلمي للعمل، حيث أنه حاول تغطية عدة جوانب من حياة الأمير، في حين أن أغلب ما كتب عنه يتناول جانباً واحداً .. سياسياً أو عسكرياً .. و يقول في موضع آخر:" .. أما تشرشل الذي يعتبر كتابه (حياة الأمير) صورة عن السيرة الذاتية لاختلاط ما أملاه عليه الأمير شخصياً، بما كتبه من اطلاعاته وقراءاته للنصوص المعاصرة له ...".
- بروز عنصر التدين في حياة "الأمير" ودور ذلك في صقل هذه الشخصية الفذة، والمعلوم أن الأمير صوفي يتبع الطريقة القادرية المنسوبة لـ "سيدي عبد القادر الجيلاني" الموجود ضريحه بالعراق، إلا أن الدكتور "سعد الله" يعقب على ذلك بقوله " ... ومع ذلك فإنه يبدوا أن تصوف الأمير كان تصوفاً عقلانياً – إن صح التعبير – فعندما سئل عن عقيدته في الكرامات والوسطاء أجاب: (إن ثقتي في الله وحده) ...".
- بقي في الأخير أن أشير إلى المجهود "الجبار" الذي بذله الدكتور "أبو القاسم سعد الله" الذي يعد بحق "رائد كتابة التاريخ في الجزائر الحديثة" نظراً للمعاناة التي تكبدها لترجمة كتاب كتب بلغة إنجليزية قديمة، إضافة إلى تحريف أسماء بعض المناطق الجزائرية، مما ألزم المؤلف تكبد مشقة السفر إلى العديد من المناطق التي شهدت تلك الأحداث قصد إعادة ضبط الأسماء.